تنقل لأعلى
تسجيل الدخول

• - أضواء وخواطر حول الإسراء والمعراج

الإسراء آية من آيات الله تعالى التي لا تعد ولا تحصى، وهو انتقال عجيب بالقياس إلى مألوف البشر، ولهذا فقد أُثير حوله جدل طويل فيما إذا كان قد تم بالروح والجسد أم بالروح فقط، والمتفق عليه لدى جمهور العلماء أنه تم بالروح والجسد معاً لأنه لو كان بالروح فقط لما أحدث خلافاً.

مع ذلك فإن الذين يدركون شيئاً من طبيعة القدرة الإلهية لا يستغربون واقعة كهذه، فالنقلة من المسجد الأقصى والوصول إليه في سرعة تتجاوز الخيال ليست أغرب من الاتصال بالملأ الأعلى، وتلقَّي القرآن والرسالة عنه وقد صدق أبو بكر y وهو يرد المسألة المستغربة عند القوم بقوله "إني لأصدَّقه بأبعد من ذلك، أصدَّقه بخر السماء".

وأما المعراج فهو الارتفاع والارتقاء من عالم الأرض إلى عالم السماء,وقد حدثت هاتان الرحلتان في ليلة واحدة قبل الهجرة بسنة تقريباً ليمحَّص الله المؤمنين، ويميَّز من كان صادقاً في إيمانه فيكون خليقاً بصحبة رسول الله الأعظم r إلى دار الهجرة، وجديراً بما يتحمَّله من أعباء وتكاليف.

لقد صلى النبي r في هذه الرحلة بالأنبياء إماماً لبيان فضله وعلو منزلته وتأكيد أواصر القربى بين الأنبياء كافَّة، إنَّ هاتين الرحلتين لتُعتبران بحق محطةً مهمة في حياته r وفي مسيرة دعوته.


 

حوادث شق الصدر

كانت حادثة شق صدره عليه الصلاة والسلام في صغره، يوم أن كان مسترضعاً عند حليمة رضي الله عنها في بادية بني سعد، وكان عمره آنذاك أربع سنوات، أشهرها وأظهرها لدى كثير من الناس.

فعن أنس بن مالك أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أتاه جبريل (عليه السلام) وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه فشق عن قلبه فاستخرج القلب فاستخرج منه علقة فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأَمَه ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه (يعني ظئره) فقالوا إن محمداً قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون. قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره.

حادثة شق الصدر (ليلة الإسراء):

وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (بينما أنا عند البيت بين النائم واليقظان، إذ سمعت قائلاً يقول: أحد الثلاثة بين الرجلين، فأتيت فانطلق بي فأتيت بطست من ذهب فيها من ماء زمزم فشرح صدري إلى كذا وكذا – إلى أسفل بطنه – فاستخرج قلبي فغسل بماء زمزم، ثم أعيد مكانه ثم حشي إيماناً وحكمة..).

الإسراء كان بالروح أم بالجسد

"جمهور المسلمين على أن الإسراء والمعراج كانا بالروح والجسد معاً"

إن القارئ للآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة التي تحدثت عن الإسراء والمعراج يدرك أن الإسراء والمعراج قد حصلا لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) في يقظته وبروحه وجسده، ويدل على هذا عدة أمور هي:

واستدلوا بالقرآن والسنة والعقل:

أولاً: من القرآن:

قوله تعالى: (سبحن الذي أسرى بعبده) الإسراء 1. إن الله عز وجل بدأ الحديث عن الإسراء والمعراج في مطلع سورة الإسراء بقوله (سبحان الذي أسرى بعبده) والتسبيح لا يكون إلا عند الأمور العظام، والعرب حين تعجب من شيء وتندهش لوقوعه أو منه تقول: سبحان الله! وحين تبدأ السورة بالتسبيح تدل على أن هناك أمراً متعجباً منه جاء ذكره مباشرة بعد التعجب وهو الإسراء بالنبي (صلى الله عليه وسلم) وعروجه جسماً وروحا،ً وهذا الذي يُتَعَجَّب منه، أما الرؤيا في المنام فلا يتعجب منها أصلاً.

فلو كان هذا الحدث الذي حكاه القرآن الكريم وقع مناماً لم يكن فيه كبير شيء ولم يكن مستعظماً، ولما بادرت قريش إلى تكذيبه، ولما ارتد بعض من أسلم، فهل يتصور أن القرشيين كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم من أجل رؤيا منامية قصّها عليهم؟ فتكذيبهم وتعجبهم دليل على أنهم علموا من واقع الحال أن الإسراء كان بالجسم والروح.

وكذلك قوله تعالى (بعبده) والعبد إنما هي لفظ تعني الروح والجسد ولا تطلق على الروح وحدها فتأمل.

ثانياً: من السنة:

قوله صلى الله عليه وسلم (أسري بي) لأن الأصل في الأفعال أن تحمل على اليقظة حتى يدل دليل على خلافه.

لقد صرحت الأحاديث الصحيحة أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) قد ركب دابة يقال لها البراق، والإنسان بجسمه وروحه يركب الدابة وغيرها، فهل يقال للروح تركب البراق؟ وهل يصح نسبة الركوب إلى الروح؟

ثالثاً: من العقل:

ليس الإسراء بجسده (صلى الله عليه وسلم) وحال يقظته استحالة عقلية، ولا يعدل عن الظاهر والحقيقة إلى التأويل إلا عند الاستحالة ولو كان مناماً لقال: بروح عبده.

أما القول بأن الإسراء والمعراج قد حدث بالروح فقط دون الجسم، وأنه كان في نومه (صلى الله عليه وسلم)، والاحتجاج بقوله تعالى (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس) بأن الرؤيا لا تكون إلا في المنام فلا يصح، والآية ليست دليلاً عليه، لأن الرؤيا تأتي في اللغة بمعنى ما يراه الإنسان في يقظته ولهذا المعنى شاهد في اللغة ومنه قول الشاعر:

وكبر للرؤيا وهش فؤاده وبشر قلباً كان جماً بلابله

والرؤيا بمعنى ما يراه الإنسان في يقظته هو ما حدث لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) ليلة الإسراء والمعراج، فقد روى الإمام البخاري رحمه الله بإسناده عن ابن عباس (رضي الله عنهما)، حين فسر قوله تبارك وتعالى: (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس)، قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ليلة أسري به إلى بيت المقدس.

السماوات العلا

وروى أئمة الحديث تفاصيل حادثة الإسراء فقد قال ابن القيم : أسرى برسول الله (صلى الله عليه وسلم) بجسده على الصحيح من المسجد الحرام إلى بيت المقدس راكباً على البراق بصحبة جبريل عليهما الصلاة والسلام، فنزل هناك وصلى بالأنبياء إماماً وربط البراق بحلقة باب المسجد.

ثم عرج به تلك الليلة من بيت المقدس إلى السماء الدنيا فاستفتح له جبريل ففتح له، فرأى هنالك آدم أبا البشر فسلم عليه فرحب به ورد عليه السلام وأقر بنبوته، وأراه الله أرواح الشهداء عن يمينه وأرواح الأشقياء عن يساره.

ثم عرج به إلى السماء الثانية فاستفتح له فرأى فيها يحيى بن زكريا وعيسى ابن مريم، فلقيهما وسلم عليهما فردا عليه ورحبا به وأقرا بنبوته.

ثم عرج إلى السماء الثالثة فرأى بها يوسف فسلم عليه فرد عليه ورحب به وأقر بنبوته.

ثم عرج به إلى السماء الرابعة فرأى فيها إدريس فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته.

ثم عرج به إلى السماء الخامسة فرأى فيها هارون بن عمران فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته.

ثم عرج به إلى السماء السادسة فرأى فيها موسى بن عمران فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته.

فلما جاوزه بكى موسى فقيل له ما يبكيك؟ فقال: أبكي لأن غلاماً بعث من بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخل من أمتي.

ثم عرج به إلى السماء السابعة فلقي فيها إبراهيم عليه السلام فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته.

ثم رفع إلى سدرة المنتهى ثم رفع له البيت المعمور.

ثم عرج به إلى الجبار جل جلاله فدنا منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى (رواية البخاري).

أهمية الصلاة في حياة المسلم

من أعظم ما نستفيده من رحلة المعراج بيان أهمية الصلاة وعظم شأنها حيث فرضت لوحدها بين أركان الإسلام في السماء السابعة فكانت الركن الثاني بعد الشهادتين، وأصبحت قُرَّة عين النبي r.

روى أنس بن مالك قال: قال رسول الله r حُبَّبَ إلي من الدنيا: النساء والطيب، وجُعلت قرة عيني في الصلاة، فكان يصلي ويطيل القيام حتى تورمت قدماه الشريفتان، فقد روى مسلم عن المغيرة بن شعبة أن النبي r صلى حتى انتفخت قدماه فقيل له: أتتكلف هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: أفلا أكون عبداً شكوراً، وكان يُسمَعُ لصدره -وهو في الصلاة- أزيز من البكاء، فقد روى أحمد وغيرها عن مُطرف قال: رأيت رسول الله r يصلي وفي صدره أزيز كأزيز الرحى من البكاء، وفي رواية كازيز المرجل.

فالصلاة معراج للمسلم إلى ربه جل وعلا، ومطهرة له من الذنوب وناهية عن الفحشاء والمنكر قال تعالى:]وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ[ ]العنكبوت: 45[

صفة العبودية

من الملاحظ أن رب العالمين قد ذكر نبيه الأمين في معرض التكريم موصوفًا بصفة تكررت في آية الإسراء وآيات المعراج , هذه الصفة هي صفة العبودية ,حيث قال في آية الإسراء (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير ) الإسراء1.

وقال في آيات المعراج (والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يُوحى عَلَّمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى) النجم 1-18.

في هذه إشارة ودلالة على أن العبودية شرف، كما في التعبير بالعبودية إشارة ودلالة على وقوع الإسراء والمعراج بالروح والجسد، لأن كلمة (عبد) لا تطلق على الروح وحدها، وإنما على الجسد والروح معًا.

وفي لفظة التسبيح التي تفيد التنزيه والتقديس – والتي بدأت بها آية الإسراء – دلالة وإشارة إلى أن ما بعدها لا يصح أن يقاس بمقياس المعبود الذي إذا أراد شيئًا فإنما يقول له كن فيكون..

وبهذا لايتطرق إلى العقل دهشة أو استغراب، لأن الإسراء في حقيقته هبة ومنحة ربانية من رب العزة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم.

موقف أبي بكر الصديق

موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه خير شاهد على ذلك.. حيث رد على منكري الإسراء قائلا بيقين المؤمن، وإيمان الواثق: لئن كان قد قاله لقد صدق، إنه ليخبرني أن الخبر ليأتيه من السماء الى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه، فهذا أبعد مما تعجبون منه،،،

وجا أبو بكر الى الحبيب المصطفى، وسمع وصفه لبيت المقدس، فكان يرد مع كل وصف: صدقت، وأشهد أنك رسول الله،،، حتى قال له الرسول بعد أن انتهى من وصف بيت المقدس: وأنت يا أبا بكر: الصديق، فلازمته تلك الصفة منذ تلك الساعة،،،

وذلك لأن الذين لديهم إدراك بقدرة ربنا القادر على كل شيء, وبطبيعة النبوة المهيأة لخرق نواميس الطبيعة، لا يستكثرون من الأمر شيئًا، ولا يترددون أبدًا في وقوع الإسراء والمعراج بالروح والجسد.

أما الذين حبسوا أنفسهم، وقيدوا إيمانهم في حيز عقلهم المحدود وفكرهم القاصر، ووزنوا الأمور بميزان قدرتهم ،ولم يَزِنُوها بميزان قدرة الله، فأنكروا الإسراء والمعراج بالروح والجسد.

القدس في قلوب المسلمين

إن الناظر في أحوال الأمور في زماننا ليجد العجب العجاب من تغير الأحوال، وتبدل النظرات، وانقلاب الموازيين.

إن الذي يعطي نفسه وقتاً للتأمل ليجد أن بقاع الأرض لا تخلو من حرمات تنتهك ودماء تسيل، وأطفال تشرد، ونساء ترمل، ومال ينهب وعرض يغتصب، وأرض تقطع، وذل يكتسي به الضعفاء، وعز يلبسه المنافقون في كل مكان، وأرض القدس واحدة من تلك الأراضي وصورة من تلك الصور وحالة من تلك الحالات.

إن المسلمين حينما ينهضون لنصرة صنف من الناس ممن تعرضوا لمثل هذه الحالات كالبوسنة والهرسك مثلاً فإن مهمتهم تنتهي حينما يعود الأمن والأمان إلى هؤلاء القوم، ولكن الوضع يختلف بالنسبة للأرض المباركة كما وصفها الله تعالى بالبركة في كتابة في قوله: حكاية عن موسى في خطابه لقومه حيث قال: (يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم) المائدة 21.

وقد أثبت الرسول (صلى الله عليه وسلم) هذا المفهوم حيث أمر بشد الرحال إليها في الحديث الصحيح "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد......... والمسجد الأقصى"

وقد أسري به (صلى الله عليه وسلم) من مكة إلى المسجد الأقصى إشارة إلى تسلم المسلمين قيادة هذه المنطقة وقد فتح المسلمون في زمن عمر بلاداً كثيرة لم يذهب أمير المؤمنين لتسلم البلاد المفتوحة سوى هذه البقعة وذلك ليدلل على أن الأمر أمر اعتقاد وليس أرضاً، ومن هنا أتت مسألة بيت المقدس مسألة اعتقاد ودين، لا مسألة قوم ولا وطن ولا جنس ولا أرض.

فهل ندرك هذه الحقيقة ليصبح على كل منّا واجب نحو هذا المكان تماماً كالواجب الذي نحمله نحو مكة والمدينة.

صلة وثيقة، ومصير مشترك

أراد الله تبارك وتعالى في هذه الرحلة الميمونة أن يؤكد على الربط الوثيق بين المسجدين، المسجد الذي ابتدأ منه الإسراء، والمسجد الذي انتهى إليه الإسراء، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى. أراد الله تعالى أن يثبت في وجدان المسلم العلاقة بين هذين المسجدين باعتبار أن مصيرهما واحد، وأن التفريط في الأقصى هو مفضِ إلى التفريط في المسجد الحرام.

وإن إهمال الدفاع عن المسجد الأقصى هو تماماً عدم الاهتمام بالمسجد الحرام

إن المسجد الأقصى كان قبلة للمسلمين حيث استمروا في صلاتهم إليه نحواً من ستة عشر شهراً قبل أن يتحولوا إلى الكعبة ليؤكد على هذه الصلة، ويبين الأهمية لهذا المسجد المسلوب بل يُزاد الأمر تأكيداً حينما يقول سبحانه عنه أي (الأقصى) ]الَّذِي بَارَكْنَا[ ]الإسراء: 1[، يصفه بوجود وحصول البركة الربانية حوله، إنه تثبيت لهذا المعنى في عقول الأمة يتوارثونه جيلاً عن جيل حتى يأتي الجيل الذي يقوم باسترداده للمسلمين لأنه قبلتهم ومسرى نبيهم، وأحد المساجد التي يُشد الرحال إليها فالقضية قضية المسلمين عقيدةً وديانةً وتعبداً وليست قضية من يعشون على أرضه.