تنقل لأعلى
تسجيل الدخول

• - مواعظ وخواطر رمضانية

المجلس الثلاثون من كتاب مجالس شهر رمضان بعنوان أخر الشهر

​إن شهر رمضان قرب رحيله وأزف تحويله، وإنه شاهد لكم أو عليكم بما أودعتموه من الأعمال، فمن أودعه عملا صالحا فليحمد الله على ذلك وليبْشِر بحسن الثواب، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، ومن أودعه عملا سيئا فليتب إلى ربه توبة نصوحا، فإن الله يتوب على من تاب، ولقد شرع الله لكم في ختام شهركم عبادات تزيدكم من الله قربا، وتزيد في إيمانكم قوة، وفي سجل أعمالكم حسنات، فشرع الله لكم زكاة الفطر وتقدم الكلام عليها مفصلا، وشرع لكم التكبير عند إكمال العدة من غروب الشمس ليلة العيد إلى صلاة العيد، قال الله تعالى " وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ وصفته أن يقول: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، ويُسَنُّ جهر الرجال به في المساجد والأسواق والبيوت إعلانا بتعظيم الله وإظهارا لعبادته وشكره، ويُسِرُّ به النساء لأنهن مأمورات بالتستر والإسرار بالصوت. ما أجمل حال الناس وهم يكبِّرون الله تعظيما وإجلالا في كل مكان عند انتهاء شهر صومهم، يملؤون الآفاق تكبيرا وتحميدا وتهليلا، يرجون رحمة الله ويخافون عذابه. وشرع الله سبحانه لعباده صلاة العيد يوم العيد، وهى من تمام ذكر الله  أمر رسول الله  بها أمته رجالا ونساء، وأمره مطاع لقوله تعالى " ا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59) " وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم النساء أن يخرجن إلى صلاة العيد، مع أن البيوت خير لهن فيما عدا هذه الصلاة، وهذا دليل على تأكيدها، قالت أم عطية رضي الله عنها: { أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نُخْرِجهن في الفطر والأضحى، العَوَاتِق والْحُيَّض وذوات الخدور، فأما الْحُيَّض فيعتزلن الْمُصَلَّى ويشهدن الخير ودعوة المسلمين. قلت: يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب، قال: " لِتُلْبِسْها أختها من جلبابها } والجلباب: لباس تلتحف فيه المرأة بمنزلة العباءة. ومن السنة أن يأكل قبل الخروج إلى الصلاة في عيد الفطر تمرات وترا ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك، يقطعها على وتر لقول أنس بن مالك رضي الله عنه { كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات ويأكلهن وترا }. ويخرج ماشيا لا راكبا إلا من عذر كعجز وبُعْدٍ لقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه من السنة أن يخرج إلى العيد ماشيا ويسن للرجل أن يتجَمَّل ويلبس أحسن ثيابه لما رُوِيَ عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: { أخذ عمر جبة من إستبرق - أي: حرير - تباع في السوق، فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول ابْتَعْ هذه (يعني اشْتَرِها) تجمَّل بها للعيد والوفود، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنما هذه لباس من لا خلاق له } وإنما قال ذلك لكونها حريرا، ولا يجوز للرجل أن يلبس شيئا من الحرير أو شيئا من الذهب؛ لأنهما حرام على الذكور من أمة محمد  وأما المرأة فتخرج إلى العيد غير متجمِّلة ولا متطيِّبة ولا متبرجة ولا سافرة لأنها مأمورة بالتستر مَنْهِيَّة عن التبرج بالزينة وعن التطيب حال الخروج. ويؤدي الصلاة بخشوع وحضور قلب، ويكثر من ذكر الله ودعائه ويرجو رحمته ويخاف عذابه، ويتذكر باجتماع الناس في الصلاة على صعيد المسجد اجتماع الناس في المقام الأعظم يبن يدي الله عز وجل في العيد يوم القيامة، ويرى إلى تفاضلهم في هذا المجتمع فيتذكر به التفاضل الأكبر في الآخرة، قال الله تعالى" انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21) لَّا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا (22)" فإن صيام رمضان وقيامه إيمانا واحتسابا من أسباب مغفرة الذنوب والتخلص من الآثام، فالمؤمن يفرح بإكمال الصوم والقيام، لِتَخَلُّصِهِ به من الآثام، وضعيف الإيمان يفرح بإكماله لتخلصه من الصيام الذي كان ثقيلا عليه ضائقا به صدره، والفرق بين الفريقين عظيم.

المجلس التاسع والعشرون من كتاب مجالس شهر رمضان بعنوان " التوبة

​من الخطأ والتقصير، وكل بني آدم خَطَّاء، وخير الخطائين التوابون، وقد حث الله في كتابه وحث النبي  في خطابه على استغفار الله تعالى والتوبة إليه فقال سبحانه" وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ۖ وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3)" وقال تعالى " لْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110) " وقال تعالى " وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31) " وقال سبحانه وتعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ۖ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (8) " وأما الأحاديث فمنها عن الْأَغَرِّ بن يَسَار الْمُزنِيِّ رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم { يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب في اليوم مائة مرة } وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: { إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة } وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { لَلَّهُ أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فَأَيِسَ منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها وقد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده فأخذ بِخِطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح } (وإنما يفرح سبحانه بتوبة عبده لمحبته للتوبة والعفو ورجوع عبده إليه بعد هربه منه، وعن أنس وابن عباس رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: { لو أن لابن آدم واديا من ذهب أحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب }. * فالتوبة هي الرجوع من معصية الله إلى طاعته؛ لأنه سبحانه هو المعبود حقا، وحقيقة العبودية هي التذلل والخضوع للمعبود محبة وتعظيما، فإذا حصل من العبد شرود عن طاعة ربه فتوبته أن يرجع إليه ويقف ببابه موقف الفقير الذليل الخائف المنكسر بين يديه. والتوبة واجبة على الفور لا يجوز تأخيرها ولا التسويف بها؛ لأن الله أمر بها ورسوله، وأوامر الله ورسوله كلها على الفور والمبادرة لأن العبد لا يدري ماذا يحصل له بالتأخير، فلعله أن يَفْجَأَهُ الموت فلا يستطيع التوبة، ولأن الإصرار على المعصية يوجب قسوة القلب وبعده عن الله  وضعف إيمانه، فإن الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالعصيان، ولأن الإصرار على المعصية يوجب إلفها والتشبث بها، فإن النفس إذا اعتادت على شيء صَعُبَ عليها فراقه، وحينئذ يعسر عليه التخلص من معصيته، ويفتح عليه الشيطان باب معاصٍ أخرى أكبر وأعظم مما كان عليه؛ ولذلك قال أهل العلم وأرباب السلوك: إن المعاصي بريد الكفر ينتقل الإنسان فيها مرحلة مرحلة حتى يزيغ عن دينه كله، نسأل الله العافية والسلامة. والتوبة التي أمر الله بها هي التوبة النصوح التي تشتمل على شرائط التوبة وهي خمسة: * الأول: أن تكون خالصة لله عز وجل بأن يكون الباعث لها حب الله وتعظيمه ورجاء ثوابه والخوف من عقابه، فلا يريد بها شيئا من الدنيا ولا تزلفا عند مخلوق، فإن أراد هذا لم تقبل توبته لأنه لم يتب إلى الله، وإنما تاب إلى الغرض الذي قصده. * الثاني: أن يكون نادما حَزِنًا على ما سلف من ذنبه يتمنى أنه لم يحصل منه؛ لأجل أن يُحْدِث له ذلك الندمُ إنابة إلى الله وانكسارا بين يديه ومقتا لنفسه التي أمرته بالسوء، فتكون توبته عن عقيدة وبصيرة. * الشرط الثالث: أن يُقْلِع عن المعصية فورا، فإن كانت المعصية بفعل محرم تركه في الحال، وإن كانت المعصية بترك واجب فعله في الحال إن كان مما يمكن قضاؤه كالزكاة والحج، فلا تصح التوبة مع الإصرار على المعصية، فلو قال: إنه تاب من الربا مثلا وهو مستمر على التعامل به لم تصح توبته، ولم تكن توبته هذه إلا نوعَ استهزاء بالله وآياته لا تزيده من الله إلا بعدا، ولو تاب من ترك الصلاة مع الجماعة وهو مستمر على تركها لم تصح توبته، وإذا كانت المعصية فيما يتعلق بحقوق الخلق لم تصح التوبة منها حتى يتخلص من تلك الحقوق، فإذا كانت معصيته بأخذ مالٍ للغير أو جحده لم تصح توبته حتى يؤدي المال إلى صاحبه إن كان حيا، أو إلى ورثته إن كان ميتا، فإن لم يكن له ورثة أَدَّاهُ إلى بيت المال، وإن كان لا يدري من صاحب المال تصدق به والله سبحانه يعلم به، وإن كانت معصيته بغيبة مسلم وجب أن يستحله من ذلك إن كان قد علم بغيبته إياه أو خاف أن يعلم بها، وإلا استغفر له وأثنى عليه بصفاته المحمودة في المجلس الذي اغتابه فيه، فإن الحسنات يذهبن السيئات. وتصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره، لأن الأعمال تتبعض والإيمان يتفاضل، لكن لا يستحق الوصف المطلق للتوبة وما يستحقه التائبون على الإطلاق من الأوصاف الحميدة والمنازل العالية حتى يتوب إلى الله من جميع الذنوب. الشرط الرابع: أن يعزم على أن لا يعود في المستقبل إلى المعصية؛ لأن هذه ثمرة التوبة ودليل صدق صاحبها، فإن قال: إنه تائب وهو عازم أو متردِّد في فعل المعصية يوما ما لم تصح توبته؛ لأن هذه توبة مؤقتة يَتَحَيَّنُ فيها صاحبها الفرص المناسبة، ولا تدل على كراهيته للمعصية وفراره منها إلى طاعة الله عز وجل. * الشرط الخامس: أن لا تكون بعد انتهاء وقت قبول التوبة، فإن كانت بعد انتهاء وقت القبول لم تقبل، وانتهاء وقت القبول نوعان: عام لكل أحد، وخاص لكل شخص بنفسه وهما : فأما العام فهو طلوع الشمس من مغربها، فإذا طلعت الشمس من مغربها لم تنفع التوبة، قال الله تعالى " يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ۗ قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ (158) " والمراد ببعض الآيات طلوع الشمس من مغربها، فسرها بذلك النبي صلى الله عليه وسلم وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { لا تزال التوبة تقبل حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت طُبِعَ على كل قلب بما فيه وكفي الناسَ العملُ } وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه } وأما الخاص فهو عند حضور الأجل، فمتى حضر أجل الإنسان وعاين الموت لم تنفعه التوبة ولم تقبل منه، قال الله تعالى " وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ " وعن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر }) يعني بروحه.

المجلس الثامن والعشرون من كتاب مجالس شهر رمضان بعنوان " زكاة الفطر

​** إن الله شرع لكم في ختام شهركم هذا أن تؤدوا زكاة الفطر قبل صلاة العيد، وسنتكلم في هذا المجلس عن حُكْمها وحكمتها وجنسها ومقدارها ووقت وجوبها ودفعها ومكانها. *فأما حكمها فإنها فريضة فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين، وما فرضه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أمر به فله حكم ما فرضه الله تعالى أو أمر به، قال الله تعالى " مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (80)" وقال تعالى " وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115)" وهى فريضة على الكبير والصغير والذكر والأنثى والحر والعبد من المسلمين، قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: { فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر أو صاعا من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين } ولا تجب عن الحمل الذي في البطن إلا أن يتطوع بها فلا بأس، فقد كان أمير المؤمنين عثمان  يخرجها عن الحمل، ويجب إخراجها عن نفسه وكذلك عمن تلزمه مؤونته من زوجة أو قريب إذا لم يستطيعوا إخراجها عن أنفسهم، فإن استطاعوا فالأولى أن يخرجوها عن أنفسهم؛ لأنهم المخاطبون بها أصلا، ولا تجب إلا على من وجدها فاضلة زائدة عما يحتاجه من نفقة يوم العيد وليلته، فإن لم يجد إلا أقل من صاع أخرجه لقوله تعالى "فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ ۗ" *وأما حكمتها فظاهرة جدا، ففيها إحسان إلى الفقراء وكف لهم عن السؤال في أيام العيد؛ ليشاركوا الأغنياء في فرحهم وسرورهم به ويكون عيدا للجميع، وفيها الاتصاف بخلق الكرم وحب المواساة، وفيها تطهير الصائم مما يحصل في صيامه من نقص ولغو وإثم، وفيها إظهار شكر نعمة الله بإتمام صيام شهر رمضان وقيامه وفعل ما تَيَسَّر من الأعمال الصالحة فيه. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: { فرض رسول الله صلى الله عليه نوسلم زكاة الفطر طُهْرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات } *وأما جنس الواجب في الفطرة فهو طعام الآدميين من تمر أو بُرٍّ أو رز أو زبيب أو أقط أو غيرهما من طعام بني آدم، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: { فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر أو صاعا من شعير وكان الشعير يومذاك من طعامهم كما قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه { كنا نُخْرِج يوم الفطر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم صاعا من طعام وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر } فلا يجزئ إخراج طعام البهائم لأن النبي صلى الله عليه وسلم فرضها طعمة للمساكين لا للبهائم. ولا يجزئ إخراجها من الثياب والفرش والأواني والأمتعة وغيرها مما سوى طعام الآدميين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فرضها من الطعام فلا تتعدى ما عيَّنه الرسول صلى الله عليه وسلم . ولا يجزئ إخراج قيمة الطعام؛ لأن ذلك خلاف ما أمر به رسول الله  وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: { من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ } وفي رواية: { من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد } ومعنى رَدّ: مردود، ولأن إخراج القيمة مخالف لعمل الصحابة رضي الله عنهم، حيث كانوا يخرجونها صاعا من طعام، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم { عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي } ولأن زكاة الفطر عبادة من جنس معين فلا يجزئ إخراجها من غير الجنس، كما لا يجزئ إخراجها في غير الوقت المعين، ولأن النبي  عينها من أجناس مختلفة وأقيامها مختلفة غالبا، فلو كانت القيمة معتبرة لكان الواجب صاعا من جنس وما يقابل قيمته من الأجناس الأخرى، ولأن إخراج القيمة يُخْرِج الفطرة عن كونها شعيرة ظاهرة إلى كونها صدقة خفية، فإن إخراجها صاعا من طعام يجعلها ظاهرة بين المسلمين معلومة للصغير والكبير يشاهدون كَيْلها وتوزيعها ويتعارفونها بينهم بخلاف ما لو كانت دراهم يُخْرِجها الإنسان خفية بينه وبين الآخذ. *وأما مقدار الفطرة فهو صاع بصاع النبي  الذي يبلغ وزنه بالمثاقيل أربعمائة وثمانين مثقالا من البر الجيد، وبالغرامات كيلوين اثنين وخُمُسَيْ عُشْر كيلو من البر الجيد، وذلك لأن زنة المثقال أربعة غرامات وربع، فيكون مبلغ أربعمائة وثمانين مثقالا ألفي غرام وأربعين غراما، فإذا أراد أن يعرف الصاع النبوي فليزن كيلوين وأربعين غراما من البر ويضعها في إناء بقدرها بحيث تملؤه ثم يكيل به. *وأما وقت وجوب الفطرة فهو غروب الشمس ليلة العيد، فمن كان من أهل الوجوب حينذاك وجبت عليه وإلا فلا، وعلى هذا فإذا مات قبل الغروب ولو بدقائق لم تجب الفطرة، وإن مات بعده ولو بدقائق وجب إخراج فطرته، ولو وُلِدَ شخص بعد الغروب ولو بدقائق لم تجب فطرته، لكن لا بأس بإخراجها كما سبق، وإن وُلِدَ قبل الغروب ولو بدقائق وجب إخراج الفطرة عنه. *وإنما كان وقت وجوبها غروب الشمس من ليلة العيد لأنه الوقت الذي يكون به الفطر من رمضان، وهي مضافة إلى ذلك فإنه يقال: زكاة الفطر من رمضان، فكان مناط الحكم ذلك الوقت. وأما زمن دفعها فله وقتان: وقت فضيلة ووقت جواز. *فأما وقت الفضيلة: فهو صباح العيد قبل الصلاة لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: { كنا نُخْرِج في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفطر صاعا من طعام } وعن ابن عمر رضي الله عنهما { أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة } ولذلك كان من الأفضل تأخير صلاة العيد يوم الفطر ليتسع الوقت لإخراج الفطرة. *وأما وقت الجواز فهو قبل العيد بيوم أو يومين، فعن نافع قال: كان ابن عمر يعطي عن الصغير والكبير حتى إن كان يعطي عن بنِيَّ، وكان يعطيها الذين يقبلونها، وكانوا يُعْطَوْن قبل الفطر بيوم أو يومين ولا يجوز تأخيرها عن صلاة العيد، فإن أخَّرها عن صلاة العيد بلا عذر لم تُقْبَل منه لأنه خلاف ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سبق من حديث ابن عباس رضي الله عنهما { أن من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات. أما إن أخرها لعذر فلا بأس، مثل أن يصادفه العيد في البَر ليس عنده ما يدفع منه أو ليس عنده من يدفع إليه، أو يأتي خبر ثبوت العيد مفاجئا بحيث لا يتمكن من إخراجها قبل الصلاة، أو يكون معتمدا على شخص في إخراجها فينسى أن يُخْرِجها فلا بأس أن يخرجها ولو بعد العيد لأنه معذور في ذلك. والواجب أن تصل إلى مستحقها أو وكيله في وقتها قبل الصلاة، فلو نواها لشخص ولم يصادفه ولا وكيله وقت الإخراج فإنه يدفعها إلى مستحق آخر ولا يؤخرها عن وقتها. *وأما مكان دفعها فتدفع إلى فقراء المكان الذي هو فيه وقت الإخراج سواء كان محل إقامته أو غيره من بلاد المسلمين، لا سيما إن كان مكانا فاضلا كمكة والمدينة، أو كان فقراؤه أشد حاجة، فإن كان في بلد ليس فيها من يدفع إليه، أو كان لا يعرف المستحقين فيه وَكَّلَ من يدفعها عنه في مكان مستحِقٍّ. *والمستحقون لزكاة الفطر هم الفقراء، ومن عليهم ديون لا يستطيعون وفاءها فيُعْطَوْن منها بقدر حاجتهم، ويجوز توزيع الفطرة على أكثر من فقير، ويجوز دفع علب من الفِطر إلى مسكين واحد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قَدَّر الواجب ولم يقدر من يُدْفَع إليه، وعلى هذا لو جمع جماعة فطرهم في وعاء واحد بعد كيلها وصاروا يدفعون منه بلا كيل ثانٍ أجزأهم ذلك، ولكن ينبغي إخبار الفقير بأنهم لا يعلمون مقدار ما يدفعون إليه لئلا يغتر به فيدفعه عن نفسه وهو لا يدري عن كيله، ويجوز للفقير إذا أخذ الفطرة من شخص أن يدفعها عن نفسه أو أحد من عائلته إذا كالها أو أخبره دافعها أنها كاملة ووثق بقوله.

المجلس السابع والعشرون من كتاب مجالس شهر رمضان بعنوان "النوع الثاني من أسباب دخول النار

​** سبق في الدرس الماضي ذكر عدة أسباب من النوع الأول من أسباب دخول النار الموجبة للخلود فيها. وها نحن في هذا الدرس نذكر بمعونة الله عدة أسباب من النوع الثاني، وهي الأسباب التي يستحق فاعلها دخول النار دون الخلود فيها. * السبب الأول: عقوق الوالدين وهما الأم والأب، وعقوقهما أن يقطع ما يجب لهما من بر وصلة، أو يسيء إليهما بالقول أو الفعل، قال الله تعالى "وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)" قال تعالى " أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14)" * السبب الثاني: قطيعة الرحم وهي أن يقاطع الرجل قرابته فيمنع ما يجب لهم من حقوق بدنية أو مالية، فعن جبير بن مطعم أن النبي قال: { لا يدخل الجنة قاطع } ، قال سفيان : يعني قاطع رحم وعن أبي هريرة أن النبي قال: { إن الرحم قامت فقالت لله  هذا مقام العائذ بك من القطيعة. قال: نعم أما ترضين أن أَصِلَ من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى. قال: فذلك لك "، ثم قال رسول الله  " اقرؤوا إن شئتم " فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ (23)" . ومن المؤسف أن كثيرا من المسلمين اليوم غفلوا عن القيام بحق الوالدين والأرحام وقطعوا حبل الوصل، وحجة بعضهم أن أقاربه لا يصلونه، وهذه الحجة لا تنفع لأنه لو كان لا يصل إلا من وصله لم يكن صلته لله، وإنما هي مكافأة كما ورد عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي  قال: { ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قُطِعَت رحمه وصلها } * السبب الثالث: أكل الربا، قال الله تعالى "ا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132)" * السبب الرابع: أكل مال اليتامى ذكورا كانوا أم إناثا والتلاعب به، قال الله تعالى" إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10)" واليتيم هو الذي مات أبوه قبل أن يبلغ . * السبب الخامس: شهادة الزور، فقد روى ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: { لن تزول قدم شاهد الزور حتى يوجب الله له النار } وشهادة الزور أن يشهد بما لا يعلم أو يشهد بما يعلم أن الواقع خلافه؛ لأن الشهادة لا تجوز إلا بما علمه الشاهد، وفي الحديث قال لرجل: { تَرَى الشمس؟ " قال: نعم. قال: " على مثلها فاشهد أو دع }. * السبب السادس: الرشوة في الحكم، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { الراشي والمرتشي في النار } قال في النهاية: الراشي من يُعْطِي الذي يعينه على الباطل، والمرتشي الآخذ، فأما ما يُعْطَى توصلا إلى أخذ حق أو دفع ظلم فغير داخل فيه ا هـ. * السبب السابع: اليمين الغموس، فعن الحارث بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم في الحج بين الجمرتين وهو يقول: { من اقتطع مال أخيه بيمين فاجرة فليتبوأ مقعده من النار لِيُبَلِّغْ شاهدُكم غائبَكم " مرتين أو ثلاثا } وسميت غموسا لأنها تَغْمِس الحالف بها في الإثم ثم تغمسه في النار، ولا فرق بين أن يحلف كاذبا على ما ادعاه فيُحْكَم له به أو يحلف كاذبا على ما أنكره فيُحْكَم ببراءته منه. * السبب الثامن القضاء بين الناس بغير علم أو بجور وميل، لحديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { القضاة ثلاثة: واحد في الجنة واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق وقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار } . * السبب التاسع: الغش للرعية وعدم النصح لهم بحيث يتصرف تصرفا ليس في مصلحتهم ولا مصلحة العمل، لحديث معقل بن يسار رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: { ما من عبد يسترعيه الله على رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة } وهذا يعم رعاية الرجل في أهله والسلطان في سلطانه وغيرهم لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: { كلكم راع ومسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، وكلكم راع ومسؤول عن رعيته } * السبب العاشر: تصوير ما فيه روح من إنسان أو حيوان، فعن ابن عباس رضي الله عنهما: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: { كل مُصَوِّر في النار يجعل له بكل صورة صورها نفسا فتعذبه في جهنم } وفي رواية للبخاري: { من صور صورة فإن الله مُعَذِّبُه حتى ينفخ فيها الروح وليس بنافخ فيها أبدا } فأما تصوير الأشجار والنبات والثمرات ونحوها مما يخلقه الله من الأجسام النامية فلا بأس به على قول جمهور العلماء، ومنهم من منع ذلك لما رُوِيَ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: { قال الله عز وجل ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو شعيرة } * السبب الحادي عشر: ما ثبت عن حارثة بن وهب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عُتُلٍّ جَوَّاظ مستكبر } فالعتل: الشديد الغليظ الذي لا يلين للحق ولا للخلق، والجواظ: الشحيح البخيل فهو جَمَّاع مَنَّاع، والمستكبر هو الذي يَرُدُّ الحق ولا يتواضع للخلق، فهو يرى نفسه أعلى من الناس، ويرى رأيه أصوب من الحق. * السبب الثاني عشر: استعمال أواني الذهب والفضة في الأكل والشرب للرجال والنساء، فعن أم سلمة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { الذي يشرب في آنية الفضة إنما تُجَرْجِر في بطنه نارَ جهنم } وفي رواية لمسلم: { إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم }.

المجلس السادس والعشرون من كتاب مجالس شهر رمضان بعنوان " أسباب دخول النار

​* اعلموا أن لدخول النار أسبابا بيَّنها الله في كتابه وعلى لسان رسوله ليحذر الناس منها ويجتنبوها، وهذه الأسباب على نوعين: * النوع الأول: أسباب مُكَفِّرة تُخْرِج فاعلها من الإيمان إلى الكفر، وتوجب له الخلود في النار. * النوع الثاني: أسباب مُفَسِّقة تُخْرِج فاعلها من العدالة إلى الفسق، ويستحق بها دخول النار دون الخلود فيها. - فأما النوع الأول فنذكر منه أسبابا: * السبب الأول: الشرك بالله بأن يجعل لله شريكا في الربوبية أو الألوهية أو الصفات، فمن اعتقد أن مع الله خالقا مشاركا أو منفردا، أو اعتقد أن مع الله إلها يستحق أن يعبد، أو عبد مع الله غيره فصرف شيئا من أنواع العبادة إليه، أو اعتقد أن لأحد من العلم والقدرة والعظمة ونحوها مثل ما لله  فقد أشرك بالله شركا أكبر واستحق الخلود في النار، قال الله عز وجل " إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (72) " * السبب الثاني: الكفر بالله أو بملائكته أو كتبه أو رسله أو اليوم الآخر أو قضاء الله وقدره، فمن أنكر شيئا من ذلك تكذيبا أو جحدا أو شك فيه فهو كافر مخلد في النار، قال الله تعالى " نَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا (150)" * السبب الثالث: إنكار فرض شيء من أركان الإسلام الخمسة، فَمَنْ أنكر فرضِيَّة توحيد الله أو الشهادة لرسوله بالرسالة أو عمومها لجميع الناس أو فريضة الصلوات الخمس أو الزكاة أو صوم رمضان أو الحج، فهو كافر لأنه مكذِّب لله ورسوله وإجماع المسلمين، وكذلك من أنكر تحريم الشرك أو قتل النفس التي حرم الله أو تحريم الزنا أو اللواط أو الخمر أو نحوها مما تحريمه ظاهر صريح في كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه مكذِّب لله ورسوله، لكن إن كان قريب عهد بإسلام فأنكر ذلك جهلا لم يَكْفُر حتى يُعَلَّم فينكر بعد علمه. * السبب الرابع: الاستهزاء بالله سبحانه أو بدينه أو رسوله ، قال الله تعالى " وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65)" والاستهزاء هو السخرية، وهو من أعظم الاستهانة بالله ودينه ورسوله، وأعظم الاحتقار والازدراء، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. * السبب الخامس: سب الله تعالى أو دينه أو رسوله، وهو القدْح والعيب وذكرهم بما يقتضي الاستخفاف والانتقاص كاللعن والتقبيح ونحو ذلك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: من سبَّ الله أو رسوله فهو كافر ظاهرا وباطنا سواء كان يعتقد أن ذلك محرم، أو كان مستحِلًّا له، أو كان ذاهلا عن اعتقاد. وقال أصحابنا: يكفر من سب الله سواء كان مازحا أو جادا، وهذا هو الصواب المقطوع به، ونقل عن إسحاق بن راهويه: أن المسلمين أجمعوا على أن من سب الله أو سب رسوله أو دفع شيئا مما أنزل الله فهو كافر وإن كان مقرا بما أنزل الله. وقال الشيخ أيضا: والْحُكْم في سب سائر الأنبياء كالحكم في سب نبينا  فمن سبَّ نبيا مسمّى باسمه من الأنبياء المعروفين المذكورين في القرآن أو موصوفا بالنبوة بأن يذكر في الحديث أن نبيا فعل أو قال كذا فيسب ذلك الفاعل أو القائل مع علمه أنه نبي فحكمه كما تقدم. ا هـ. وأما سبُّ غير الأنبياء فإن كان الغرض منه سب النبي مثل أن يسب أصحابه يقصد به سب النبي لأن المقارِن يقتدي بمن قارنه، ومثل أن يقذف واحدة من زوجات النبي بالزنا ونحوه فإنه يكفر؛ لأن ذلك قدح في النبي وسب له، قال الله تعالى" الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ". * السبب السادس: الحكم بغير ما أنزل الله معتقدا أنه أقرب إلى الحق وأصلح للخلق، أو أنه مساو لحكم الله، أو أنه يجوز الحكم به، قال تعالى " وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)" * السبب السابع: النفاق وهو أن يكون كافرا بقلبه ويظهر للناس أنه مسلم إما بقوله أو بفعله، قال الله تعالى " إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145)" ** وللنفاق علامات كثيرة: * منها الشك فيما أنزل الله وإن كان يُظْهِر للناس أنه مؤمن، قال الله تعالى " نَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (45)" وقال تعالى " ومنها كراهة حكم الله ورسوله، قال الله تعالى " أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا (61)" * ومنها كراهة ظهور الإسلام وانتصار أهله والفرح بخذلانهم، قال الله تعالى " ن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ۖ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَّهُمْ فَرِحُونَ (50)" * ومنها طلب الفتنة بين المسلمين والتفريق بينهم ومحبة ذلك، قال الله تعالى " لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (47)" * ومنها محبة أعداء الإسلام وأئمة الكفر ومدحهم ونشر آرائهم المخالفة للإسلام، قال تعالى " أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (14)" ومنها لمز المؤمنين وعيبهم في عبادتهم، قال الله تعالى " الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ۙ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79)" ومنها الاستكبار عن دعاء المؤمنين احتقارا وشكا، قال الله تعالى " وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ (5)" * ومنها ثقل الصلاة والتكاسل عنها، قال الله تعالى " نَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142) فهذه طائفة من علامات المنافقين ذكرناها للتحذير منها وتطهير النفس من سلوكها.

المجلس الخامس والعشرون من كتاب مجالس شهر رمضان بعنوان " وصف النار

​لقد حذرنا الله تعالى في كتابه من النار وأخبرنا عن أنواع عذابها بما تتفطَّر منه الأكباد وتتفجر منه القلوب، حذرنا منها وأخبرنا عن أنواع عذابها رحمة بنا لنزداد حذرا وخوفا، فاسمعوا ما جاء في كتاب الله تعالى وسنة رسوله  من أنواع عذابها لعلكم تذكرون، وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تُنْصَرُون، قال تعالى: "وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ " وقال تعالى "إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ " وقال تعالى مخاطباً إبليس " إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (43) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ (44) " وقال تعالى " وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (6) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (7) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ ۖ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8)" وقال تعالى "يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (55) " وقال تعالى " لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ۚ ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ ۚ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ (16) " وقال تعالى " وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ (43) لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (44)" والآيات في وصف النار وأنواع عذابها الأليم الدائم كثيرة. أما الأحاديث كثيرة فمنها : فعن عبد الله بن مسعود أن النبي قال: { يؤتى بالنار يوم القيامة لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف مَلَك يجرونها } وعن أبي هريرة أن النبي قال: { ناركم هذه ما يُوقد بنو آدم جزء واحد من سبعين جزءا من نار جهنم "، قالوا: يا رسول الله إنها لكافية؟ قال: " إنها فُضِّلَت عليها بتسعة وستين جزءا كلهن مثل حرها } وعنه قال: { كنا عند النبي فسمعنا وَجْبَة فقال النبي " أتدرون ما هذا؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: " هذا حجر أرسله الله في جهنم منذ سبعين خريفا (يعني سبعين سنة) فالآن حين انتهى إلى قعرها } وقال عُتْبَة بن غزوان وهو يخطب: لقد ذُكِرَ لنا أن الحجر يُلْقَى من شفير جهنم فيهوي فيها سبعين عاما ما يدرك لها قعرا والله لَتُمْلأن أَفَعَجِبْتُم؟ وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي قال: { لو أن قطرة من الزقوم قَطَرَت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم } . وعن النعمان بن بشير أن النبي قال: { إن أهون أهل النار عذابا من له نعلان وشِراكان من نار يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل ما يرى أن أحدا أشد منه عذابا، وإنه لأهونهم عذابا } . وعن أنس بن مالك أن النبي قال: { يُؤْتَى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار فيُصْبَغ في النار صبغة ثم يقال: يا بن آدم هل رأيت خيرا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا ربِّ، ويُؤْتَى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة فيقال: يا بن آدم هل رأيت بؤسا قط؟ هل مر بك من شدة قط؟ فيقول: لا والله يا ربِّ ما رأيت بؤسا ولا مر بي من شدة قط } يعني أن أهل النار ينسون كل نعيم مر بهم في الدنيا، وأهل الجنة ينسون كل بؤس مر بهم في الدنيا، وعنه أن النبي قال: { يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت تفتدي به؟ قال: فيقول: نعم. قال: فيقول: قد أردت منك ما هو أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئا، فأبيت إلا أن تشرك بي } . وروى ابن مَرْدَوَيْهِ عن يَعْلَى ابن مُنْيَة وهو ابن أمية ومنية أمه أنه قال: يُنْشِئ الله لأهل النار سحابة فإذا أشرفت عليهم ناداهم: يا أهل النار أيُّ شيء تطلبون؟ وما الذي تسألون؟ فيذكرون بها سحائب الدنيا والماء الذي كان ينزل عليهم، فيقولون: نسأل يا رب الشراب، فيمطرهم أغلالا تزيد في أغلالهم وسلاسل تزيد في سلاسلهم، وجمرا يُلْهِب النار عليهم، وعن أبي موسى أن النبي  قال: { ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن خمر وقاطع رحم ومصدِّق بالسحر، ومن مات مدمن الخمر سقاه الله من نهر الغوْطة ". قيل: وما نهر الغوطة؟ قال: " نهر يجري من فروج المومسات يؤذي أهل النار ريح فروجهن } وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي قال: { إن على الله عهدا لمن شرب الْمُسْكِرات لَيَسْقِيه من طينة الخبال ". قالوا: يا رسول الله وما طينة الخبال؟ قال: " عَرق أهل النار أو عصارة أهل النار } وعن النبي أنه قال: { يقال لليهود والنصارى: ماذا تبغون؟ فيقولون: عطِشنا ربَّنا فاسْقِنَا. فيُشار إليهم: ألا تَرِدُون؟ فيُحْشَرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضا فيتساقطون في النار } قال الحسن: ما ظنك بقوم قاموا على أقدامهم خمسين ألف سنة لم يأكلوا فيها أكلة، ولم يشربوا فيها شَرْبة حتى انقطعت أعناقهم عطشا، واحترقت أجوافهم جوعا، ثم انصرف بهم إلى النار فيُسْقَون من عين آنية قد آن حرها واشتد نضجها. وقال ابن الجوزي رحمه الله في وصف النار: دار قد خُصَّ أهلها بالبعاد، وحُرِموا لذة المنى والإسعاد، بُدِّلَت وضاءة وجوههم بالسواد، وضُرِبُوا بمقامع أقوى من الأطواد، عليها ملائكة غلاط شداد، لو رأيتهم في الحميم يسرحون، وعلى الزمهرير يُطْرَحون، فحزنهم دائم فما يفرحون، مُقَامهم محتوم فما يبرحون أبد الآباد، عليها ملائكة غلاط شداد، توبيخهم أعظم من العذاب، تأسُّفهم أقوى من الْمُصاب، يبكون على تضييع أوقات الشباب، وكلما جاد البكاء زاد، عليها ملائكة غلاظ شداد، يا حسرتهم لغضب الخالق، يا محنتهم لعِظَم البوائق، يا فضيحتهم بين الخلائق، على رؤوس الأشهاد، أين كسبهم للحُطام؟ أين سعيهم في الآثام؟ كأنه كان أضغاث أحلام، ثم أُحْرِقت تلك الأجسام، وكلما أُحْرِقت تُعَاد، عليها ملائكة غلاظ شداد. .

المجلس الرابع والعشرون من كتاب مجالس شهر رمضان بعنوان أوصاف أهل الجنة

​سمعنا عن أوصاف الجنة ونعيمها وما فيها من السرور والفرح والحبور ، فوالله إنها لجديرة بأن يعمل لها العاملون ويتنافس فيها المتنافسون ويفنى الإنسان عمره في طلبها زاهداً في الدون ، فإن سألتم عن العمل لها والطريق الموصل إليها فقد بينه الله فيما أنزله من وحيه على أشرف رسله ، قال الله عز وجل " وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135)" فهذه عدة أوصاف من أوصاف أهل الجنة : الوصف الأول : قال تعالى " للمتقين " وهم الذين اتقوا ربهم باتخاذ الوقاية من عذابه بفعل ما أمرهم به طاعة له ورجاء لثوابه ، وترك ما نهاهم عنه طاعة له وخوفا من عقابه . الوصف الثاني : قال تعالى " والذين ينفقون في السراء والضراء " فهم ينفقون ما أمروا بإنفاقه على الوجه المطلوب منهم من الزكاة والصدقات والنفقات على من له حق عليهم والنفقات في الجهاد وغيره من سبل الخير ، ينفقون ذلك في السراء والضراء ، لا تحملهم السراء والرخاء على حب المال ، والشح فيه طمعا في زيادته ولا تحملهم الشدة والضراء على إمساك المال خوفا من الحاجة إليه . الوصف الثالث : قال تعالى " والكظمين الغيظ " وهم الحابسون لغضبهم إذا غضبوا فلا يعتدون على غيرهم بسببه . الوصف الرابع : قال تعالى " والعافين عن الناس " يعفون عمن ظلمهم واعتدى عليهم فا ينقمون لأنفسهم مع قدرتهم على ذلك ، وفي قوله تعالى : " والله يحب المحسنين " إشارة إلى أن العفو لا يمدح إلا إذا كان من الإحسان وذلك بأن يقع موقعه ويكون إصلاحاً . الوصف الخامس : قال تعالى " والذين إذا فعلوا فاحشة أوظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم " ، الفاحشة هي ما يستفحش من الذنوب وهي الكبائر : كقتل النفس المحرمة بغير حق ، وعقوق الوالدين ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، والتولي يوم الزحف ، والزنا ، والسرقة ، ونحوها من الكبائر ، وأما ظلم النفس فهم أعم فيشمل الصغائر والكبائر . الوصف السادس : قال تعالى " ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون " أي لم يستمروا على فعل الذنب وهم يعلمون أنه ذنب ويعلمون عظمة من عصوه ويعلمون قرب مغفرته ، بل يبادرون إلى الإقلاع عنه والتوبة منه ، فالإصرار على الذنوب مع هذا العلم يجعل الصغائر كبائر ويتدرج بالفاعل إلى أمور خطيرة صعبة . فهذه أوصاف مختصرة لأهل الجنة وهناك الكثير من الأوصاف المتواترة بهذا الأمر ، فمن أراد الاطلاع يمكنه قراءة كتاب الشيخ بن عثيمين رحمه الله ( مجالس شهر رمضان ).

المجلس الثالث والعشرون من كتاب مجالس شهر رمضان بعنوان " وصف الجنة

​اخواني رحمكم الله : سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر قال الله تعالى "مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۖ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى ۖ وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ ۖ" وقال تعالى " وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا ۙ قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ۖ وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25)" وقال تعالى " وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (14) وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (15) قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (16) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا (17) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلْسَبِيلًا (18) ۞ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا (19) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20)" وقال تعالى " لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ ۖ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ۚ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (26)" فالحسنى هي الجنة ، لأنه لا دار أحسن منها ، والزيادة هي النظر إلى وجه الله تعالى ، والآيات في وصف الجنة وأنسها وحبورها كثيرة جدا . وأما الأحاديث كثيرة بوصف الجنة منها : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قلنا يا رسول الله حدثنا عن الجنة في بناؤها ؟ قال : (( لبنة ذهب ولبنة فضة ، وملاطها المسك وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت ، وترابها الزعفران من يدخلها ينعم ولا يبأس ويخلد ولا يموت لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه )) رواه أحمد والترمذي. وعن عتبه بن غزوان رضي الله عنه أنه خطب فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : (( أما بعد : فإن الدنيا قد آذنت بصرم وولت حذاء لم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يصطبها صاحبها وإنكم متنقلون منها إلى دار لا زوال لها فانتقلوا بخير ما يحضرنكم ولقد ذكر لنا أن مصراعين من مصاريع الجنة بينهما مسيرة أربعين سنة وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام )) رواه مسلم وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إن في الجنة مئة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله ، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس ، فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة وفوقه عرش الرحمن )) رواه البخاري ، وله عن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إن أهل الجنة يراءون أهل الغرف فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم )) قالوا : يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم ؟ قال : (( بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين )) وعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها ، أعدها الله لمن أطعم الطعام وأدام الصيام وصلى بالليل والناس نيام )) أخرجه الطبراني . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أ، النبي صلى الله عليه وسلم قال L( إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر ثم الذين يلونهم على أشد نجم في السماء إضاءة ثم هم بعد ذلك منازل ، لا يتغوطون ولا يبولون ولا يمتخطون ولا يبصقون ، أمشاطهم الذهب ومجامرهم الألوة ورشحهم المسك وأخلاقهم على خلق رجل واحد ، على طول أبيهم آدم ستون ذراعا )) ، وفي رواية (( لا اختلاف بينهم ولا تباغض ، قلوبهم قلب واحج ، يسبحون الله بكرة وعشيا )) وفي رواية : (( وأزواجهم الحور العين )). هذا مختصر لوصف الجنة من كلام الله سبحانه وتعالى ومنن سنة نبينا صلى الله عليه وسلم

المجلس الثاني والعشرون من كتاب مجالس شهر رمضان بعنوان " الإجتهاد في العشر الأواخر وليلة القدر

​في هذه العشر المباركة ليلة القدر التي شرفها الله على غيرها ومن على هذه الأمة بجزيل فضلها وخيرها ، أشاد الله بفضلها في كتابه المبين فقال تعالى "إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا ۚ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (6) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ (7) لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (8)" وصفها الله سبحانه بأنها مباركة لكثرة خيرها وبركتها وفضلها ، فمن بركتها أن هذا القرآن المبارك أنزل فيها ، ووصفها سبحانه بأنه يفرق فيها كل أمر حكيم يعني : يفصل من اللوح المحفوظ إلى الكتبة ما هو كائن من أمر الله سبحانه في تلك السنة – من الأرزاق والآجال والخير والشر وغير ذلك – من كل أمر حكيم من أوامر الله المحكمة المتقنة ، التي ليس فيها خلل ولا نقص ولا سفه ولا باطل ، ذلك تقدير العزيز العليم . وقال تعالى "إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)" بمعنى الشرف والتعظيم أو بمعنى التقدير والقضاء ، لأن ليلة القدر شريفة عظيمة يقدر الله فيها ما يكون في السنة ويقضيه من أموره الحكيمة . قوله تعالى " ليلة القدر خير من ألف شهر " يعني بالفضل والشرف وكثرة الثواب والأجر ولذلك كان من قامها إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه . قوله تعالى " تنزل الملائكة والروح فيها " يعني الملائكة من عباد الله قائمون بعبادته ليلاً ونهاراً ، يتنزلون في ليلة القدر إلى الأرض بالخير والبركة والرحمة " والروح " هو جبريل عليه السلام خصه بالذكر لشرفه وفضله قوله " سلم هي " يعني أن ليلة القدر لية سلام للمؤمنين من كل مخوف لكثرة من يعتق فيها من النار ويسلم من عذابها ، " حتى مطلع الفجر " يعني أن ليلة القدر تنتهي بطلوع الفجر لإنتهاء عمل الليل به . ** وفي هذه السورة فضائل متعددة لليلة القدر : الفضيلة الأولى : أن الله أنزل فيها القرآن الذي به هداية البشر وسعادتهم في الدنيا والأخرة . الفضيلة الثانية : ما يدل عليه الاستفهام من التفخيم والتعظيم في قوله " وما أدراك ما ليلة القدر " الفضيلة الثالثة : أنها خير من ألف شهر . الفضيلة الرابعة : أن الملائكة تتنزل فيها ، وهم لا ينزلون إلا بالخير والبركة والرحمة . الفضيلة الخامسة : أنها سلام لكثرة السلامة فيها من العقاب والعذاب بما يقوم به العبد من طاعة الله عز وجل . الفضيلة السادسة : أن الله أنزل في فضلها سورة كاملة تتلى إلى يوم القيامة . *ومن فضائل ليلة القدر ما ثبت في الصحيحين من حديث أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه )) قال (( إيماناً واحتساباً )) يعني إيماناً بالله وبما أعد الله من الثواب للقائمين فيها ، واحتساباً للأجر وطلب الثواب وهذا حاصل لمن علم بها ومن لم يعلم ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشترط العلم بها في حصول هذا الأجر . *وليلة القدر في رمضان لأن الله أنزل القرآن فيها وقد أخبر أن إنزاله في شهر رمضان قال تعالى : (( إنا أنزلنه في ليلة القدر )) وقال (( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن )) يعني فيها تعيين أن تكون ليلة القدر في رمضان وهي موجودة في الأمم وفي هذه الأمة إلى يوم القيامة . *وليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان لقول النبي صلى الله عليه وسلم (( تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان )) متفق عليه ، وهي في الأوتار أقرب من الأشفاع لقول النبي صلى الله عليه وسلم (( تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان )) رواه البخاري *ولا تختص ليلة القدر بليلة معينه في جميع الأعوام بل تنتقل فتكون في عام ليلة سبع وعشرين مثلاً وفي عام أخر ليلة خمس وعشرين تبعاً لمشيئة الله وحكمته ، ويدل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم (( التمسوها في تاسعة تبقى في سابعة تبقى في خامسة تبقى )) رواه البخاري ، وقال في فتح الباري أن أرجح الأقوال أنها في وتر من العشر الأخير وأنها تنتقل . * وقد أخفى الله سبحانه علمها على العباد رحمة بهم ليكثر عملهم في طلبها في تلك الليالي الفاضلة بالصلاة والذكر والدعاء فيزدادوا قربة من الله وثوابا وأخفاها اختياراً لهم أيضاً ليتيبين بذلك من كان جاداً في طلبها حريصاً عليها .

المجلس الحادي والعشرون من كتاب مجالس شهر رمضان بعنوان "فضل العشر الأخير من رمضان

​لقد نزل بكم عشر رمضان الأخيرة ، فيها الخيرات والأجور الكثيرة فيها الفضائل المشهورة والخصائص المذكورة : من خصائصها : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتهد بالعمل فيها أكثر من غيرها ففي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أ، النبي صلى الله عليه وسلم قالت :كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره ، وفي الصحيحين عنها قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله ) ففي هذه الأحاديث دليل على فضيلة هذه العشر لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتهد فيها أكثر مما يجتهد في غيرها ، وهذا شامل للاجتهاد في جميع أنواع العبادة من صلاة وقرآن وذكر وصدقة وغيرها لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشد من مئزره – يعني : يعتزل نساءه ، ليتفرغ للصلاة وجوارحه لشرف هذه الليالي ومما يدل على فضيلة العشر من هذه الأحاديث أن النبي صلى الله عيه وسلم كان يوقظ أهله فيها للصلاة والذكر حرصا على اغتنام هذه الليالي المباركة بما هي جديرة به من العبادة فإنها فرصة العمر وغنيمة لمن وفقه الله عز وجل ومن خصائصها : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف فيها والاعتكاف لزوم المسجد ليتفرغ لطاعة الله عز وجل وهو من السنن الثابتة بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وقد اعتكف النبي صلى الله عليه وسلم واعتكف أصحابه معه وبعده ، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف العشر الأول من رمضان ثم اعتكف العشر الأوسط ثم قال : (( إني أعتكف العشر الأول ألتمس هذه الليلة ثم اعتكف العشر الأسط ثم أتيت فقيل لي إنها في العشر الأواخر فمن أحب منكم أن يعتكف فليعتكف )) رواه مسلم ومن خصائصها : أن فيها ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر ، فاعرفوا رحمكم الله لهذه العشر فضلها ولا تضيعوها ، فوقتها ثمين وخيرها ظاهر مبين .

المجلس العشرون من كتاب مجالس شهر رمضان بعنوان " أسباب النصر الحقيقية

​- لقد نصر الله المؤمنين في مواطن كثيرة في بدر والأحزاب والفتح وحنين وغيرها ، نصرهم الله وفاءً بوعده قال تعالى " وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47)" وقال تعالى " إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51) يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ ۖ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (52) " نصرهم الله لأنهم قائمون بدينه وهو الظاهر على الأديان كلها فمن تمسك به فهو ظاهر على الأمم كلها " هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33) " نصرهم الله لأنهم قاموا بأسباب النصر الحقيقية المادية منها والمعنوية فكان عندهم العزم ما برزوا به على أعدائهم بتوجيه الله تعالى لهم وتمشياً مع هديه وتثبيته إياهم - نصرهم الله تعالى لأنهم قاموا بنصر دينه قال تعالى " لَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40)" ففي هاتين الآيتين الكريمتين وعد الله بالنصر من ينصره وعدا مؤكداً بمؤكدات لفظية ومعنوية أما المؤكدات اللفظية فهي القسم المفدر لأن التقدير : والله لينصرن الله من ينصره ، وكذلك اللام والنون في قوله ( ولينصرن ) كلاهما يفيد التوكيد ، وأما التوكيد المعنوي ففي قوله ( إن الله لقوي عزيز ) فهو سبحانه قوي لا يضعف وعزيز لا يذل ، وكل قوة وعزة تضاده ستكون ذلا وضعفا . ** وفي هاتين الآيتين بيان الأوصاف التي يستحق بها النصر وهي أوصاف يتحلى بها المؤمن بعد التمكين في الأرض فلا يغر به هذا التمكين بالأشر والبطر والعلو والفساد وإنما يزيده قوه في دين الله وهي : الوصف الأول التمكين لقوله تعالى : الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41)" والتمكين في الأرض لا يكون إلا بعد تحقيق عبادة الله وحده الوصف الثاني هو إقامة الصلاة بأن يؤدي الصلاة على الوجه المطلوب منه الوصف الثالث إيناء الزكاة بأن يعطوها إلى مستحقيها طيبة بها نفوس كاملة بدون نقص يبتغون بذلك فضلا من الله ورضوان الوصف الرابع الامر بالمعروف لقوله تعالى " وامروا بالمعروف " والمعروف كل ما أمر الله به ورسوله من واجبات ومستحبات يأمرون بذلك إحياء لشريعة الله واصلاحا لعباده واستجلابا لرحمته الوصف الخامس النهي عن المنكر والمنكر منا نهى الله عنه ورسوله من كبائر الذنوب وصغائرها

المجلس التاسع عشر من كتاب مجالس شهر رمضان بعنوان غزوة فتح مكة

​** كما كان في هذا الشهر المبارك غزوة بدر الذي انتصر بها الإسلام وعلا مناره ، كان فيه أيضا غزوة فتح مكة البلد الأمين في السنة الثامنة من الهجرة فأنقذه الله بهذا الفتح العظيم من الشرك الأثيم ، وصار بلداً آمنا اسلامياً حل فيه التوحيد عن الشرك والإيمان عن الكفر والإسلام عن الاستكبار وسبب هذا الفتح العظيم : أنه لما تم الصلح بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش في الحديبية في السنة السادسة كان من أحب أن يدخل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فعل ومن أن يدخل في عهد قريش فعل ، فدخلت خزاعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ودخلت بنو بكر في عهد قريش وكان بين القبيلتين دماء في الجاهلية ، فانتهزت بنو بكر هذه الهدنة فأغارت على خزاعة وهم آمنون ، وأعانت قريش حلفاءها بني بكر بالرجال والسلام سراً على خزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم فقدم جماعة منهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه بما صنعت بنوبكر وإعانة قريش لها . أما قريش فسقط في أيديهم ورأوا أنهم بفعلهم هذا نقضوا عهدهم فأرسلوا زعيمهم أبا سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشد العقد ويزيد في المدة فكلم النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فلم يرد عليه ثم كلم أبا بكر وعمر ليشفعا له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يفلح ، ثم كلم علي بن أبي طالب فلم يفلح أيضا فقال له : ما ترى يا أبا الحسن ؟ قال : ما أرى شيئاً يغني عنك ولكن سيد بني كنانة فقم فأجر بين الناس ، قال : أترى ذلك مغنيا عني شيئاً قال : لا والله ! ولكن ما أجد لك غيره ففعل أبوسفيان ثم رجع إلى مكة فقالت له قريش : ما وراءك ؟ قال أتيت محمداً فكلمته فوالله ما رد علي شيئاً ثم أتبيت ابن أبي قحافة وابن الخطاب فلم أجد خيراً ثم أتبيت علياً فأشار علي بشئ صنعته أجرت بين الناس ، قالوا : فهل أجارك ذلك محمداً؟ قال : لا قالوا : ويحك ! ما زاد الرجل – يعنون علياً : أن لعب بك )) . وأما النبي صلى الله عليه وسلم فقد أمر أصحابه بالتجهز للقتال وأخبرهم بما يريد واستقر من حوله من القبائل وقال (( الله خذ الأخبار والعيون عن قريش حتى نبغتها في بلادها )) ثم خرج من المدينة بنحو عشرة ألاف مقاتل ولما بلغ مكاناً يسمى مر الظهران قريبا من مكة أمر الجيش فأوقدوا عشرة ألاف نار ، وجعل على الحرس عمر بن الخطاب رضي الله عنه وركب العباس بغلة النبي صلى الله عليه وسلم ليلتمس أحدا يبلغ قريشاً ليخرجوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيطلبوا الأمان منه ولا يحصل القتال في مكة ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم العباس أن يوقف أبا سفيان بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى يمر به المسلمون فمرت به القبائل على راياتها ، ما تمر به قبيلة إلا سأل عنها العباس فيخبره ، فيقول : ما لي ولها ! حتى أقبلت كتيبة لم تر مثلها فقال من هذه ؟ قال العباس هؤلاء الأنصار عليهم سعد بن عبادة معه الراية فلما حاذاه سعد قال : أبا سفيان ! اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحل الكعبة ثم جاءت كتيبة – وهي أقل الكتائب وأجلها – فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه سعد فقال النبي صلى الله عليه وسلم (( كذب سعد ! ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة ويم تكسى فيه الكعبة )) ثم أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن تؤخذ الراية من سعد وتدفع إلى ابنه قيس ورأى أنها لم تخرج عن سعد خروجا كاملا إذ صارت إلى ابنه ثم مضى صلى الله عليه وسلم وأمر ان تركز رايته بالحجون ثم دخل مكة فاتحاً مؤزراً منصوراً قد طأطأ راسه تواضعاً لله عز وجل حتى إن جبهته تكاد تمس رحله وهو يقرأ " إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا (1) " ويرجعها وبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى إحدى المجنبتين خالد بن الوليد وعلى الأخرى الزبير بن العوام ، وقال (( من دخل المسجد فهو آمن ، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن دخل بيته وأغلق بابه فهو آمن )) ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى المسجد الحرام فطاف به على راحلته وكان حول البيت ستون وثلاث مئة صنم فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يطعنها بقوس معه ويقول " وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (81)" ثم دخل الكعبة فإذا فيها صور فأمر بها فمحيت ثم صلى فيها فما فرغ دار فيها وكبر في نواحيها ووحد الله عز وجل .

المجلس الثامن عشر من كتاب مجالس شهر رمضان بعنوان " غزوة بدر

​ إن في هذا الشهر المبارك نصر الله المسلمين في غزوة بدر الكبرى على أعدائهم المشركين وسمي ذلك يوم الفرقان ، لأنه سبحانه فرق بين الحق والباطل بنصر رسوله والمؤمنين وخذل الكفار المشركين ، كان ذلك في شهر رمضان من السنة الثانية من الهجرى . وكان سبب هذه الغزوة أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن أبا سفيان قد توجه من الشام إلى مكة بعير قريش ، فدعا أصحابه إلى الخروج إليه لأخذ العير ، لأن قريشاً حرب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، ليس بينه وبينهم عهد وقد أخرجوهم من ديارهم وأموالهم وقاموا ضد دعوتهم دعوة الحق فكانوا مستحقين لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعيرهم . فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في ثلاث مئة وبضعة عشر رجلا على فرسين وسبعين بعيراً يتعقبونها ، منهم سبعون رجلا من المهاجرين ، والباقون من الأنصار يقصدون العير لا يريدون الحرب ، ولكن الله جمع بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد ليقضي الله أمراً كان مفعولا ، ويتم ما أراد ، فإن أبا سفيان علم بهم فبعث صارخاً إلى قريش يستنجدهم ليحموا عيرهم وترك الطريق المعتادة وسلك ساحل البحر فنجا. أما قريش فلما جاءهم الصارخ خرجوا بأشرافهم عن بكرة أبيهم نحو ألف رجل معهم مئة فرس وسبع مئة بعير ومعهم القيان يغنين بهجاء المسلمين فلما علم أبو سفيان بخروجهم بعث إليهم يخبرهم بنجاته ويشير عليهم بالرجوع وعدم الحرب ، فأبوا ذلك وقال أبو جهل : والله لا نرجع حتى نبلغ بدراً ونقيم فيها ثلاثاً ننحر الجزور ونطعم الطعام ونسقي الخمر وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا أبداً أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لما علم بخروج قريش جمع من معه من الصحابة فاستشارهم وقال : (( إن الله قد وعدني إحدى الطائفتين إما العير أو الجيش )) فقام المقداد بن الأسود وكان من المهاجرين وقال يارسول الله امض لما أمرك الله عز وجل فوالله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام "فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24)" ولكن نقاتل عن يمينك وعن شمالك ومن بين يديك ومن خلفك وقام سعد بن معاذ الأنصاري سيد الأوس فقال يا رسول الله لعلك تخشى أن تكون من الأنصار ترى حقا عليها أن لا تنصرك إلا في ديارهم وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم : فاطعن حيث شئت ، وصل حبل من شئت واقطع حبل من شئت وخذ من أموالها ما شئت ، وأعطنا منها ما شئت ، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت ، وما أمرت فيه من أمر فأمرنا فيه تبع لأمرك ، فوالله لئن سرت بنا حتى نبلغ البرك من غمدان لنسيرن معك ، ولئن استعرضت بنا هذا البحر لخضته لنخوضنه معك ، وما نكره أن تكون تلقى العدو بنا غدا وإننا لصبر عند الحرب ، صدق عند اللقاء ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك ، فسر النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع من كلام المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم وقال : (( سيروا وأبشروا فوالله لكأني أنظر إلى مصارع القوم )) فسار النبي صلى الله عليه وسلم بجنود الرحمن حتى نزلوا أدنى ماء من مياه بدر فقال له الحباب بن المنذر يارسول الله أرأيت هذا المنزل ؟ أمنزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدم عنه أو نتأخر ؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم (( بل هو الرأي والحرب والمكيدة )) فقال : يا رسول الله إن هذا ليس بمنزل فانهض بنا حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ونغور ما وراءه من القلب ثم نبني عليه حوضاً فنملأه فنشرب ولا يشربون فاستحسن النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرأي ونهض . فنزل بالعدوة الدنيا مما يلي المدينة وقريش بالعدوة القصوى مما يلي مكة ، وأنزل الله تلك الليلة مطرا كان على المشركين وابلاً شديداً ووحلا زلقا يمنعهم من التقدم وكان على المسلمين طلا طهرهم ووطاً لهم الأرض وشد الرمل ومهم المنزل وثبت الأقدام . وبنى المسلمون لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريشاً على تل مشرف على ميدان الحرب ثم نزل صلى الله عليه وسلم من العريش فسوى صفوف أصحابه ومشى من موضع المعركة وجعل يشير بيده إلى مصارع المشركين ومحلات قتلهم يقول ها هنا : (( هذا مصرع فلان إن شاء الله هذا مصرع فلان )) فما جاوز أحد منهم موضع إشارته ثم نظر إلى أصحابه وإلى قريش فقال : (( اللهم هذه قريش جاءت بفخرها وخيلائها وخيلها تحادك وتكذب رسولك ، اللهم نصرك الذي وعدتني ، اللهم أنجز لي ما وعدتني ، اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك ، اللهم إن شئت لم تعبد اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد )). واستنصر المسلمون ربهم واستغاثوه فاستجاب لهم " يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ۚ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12) ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ وَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (13) ذَٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (14)" ثم تقابل الجمعان وحمي الوطيس واستدارت رحى الحرب ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش ومعه أبوبكر وسعد بن معاذ يحرسانه فما زال صلى الله عليه وسلم يناشد ربه ويستنصره ويستغيثه فأغفى إغفاءة ثم خرج يقول " سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45) " وحرص أصحابه على القتال وقال : (( والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابراً محتسباًًً مقبلاً غير مدبر إلا أدخله الله الجنة )) فقام عمير بن الحمام الأنصاري وبيده ثلاث تمرات يأكلهن فقال : يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم (( نعم )) قال : بخ ! بخ ! يا رسول الله ما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء لئن حييت حتى أكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة ، ثم ألقى التمرات وقاتل حتى قتل رضي الله عنه وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم كفا من تراب أو حصا فرمى بها القوم فأصابت أعينهم فما منهم واحد إلا ملأت عينه وشغلوا بالتراب في أعينهم أية من أيات الله عز وجل ، فهزم جمع المشركين وولوا الأدبار وأتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون ، قتلوا سبعين رجلا وأسروا سبعين أما القتلى فألقي منهم أربعة وعشرون رجلا من صناديدهم في قليب من قلبان بدر منهم أبوجهل وشيبة بن ربيعة وأخوه عتبه وابنه الوليد بن عتبه وغيرهم فهذه غزوة بدر انتصرت فيها فئة قليلة على فئة كثيرة قال تعالى " فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ " انتصرت الفئة القليلة لأنها فائمة بدين الله ، تقاتل لإعلاء كلمته والدفاع عن دينه فنصرها الله عز وجل

المجلس السابع عشر من كتاب مجالس شهر رمضان بعنوان " أهل الزكاة

​قال تعالى " إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60)" في هذه الآية الكريمة بين الله تعالى مصارف الزكاة وأهلها المستحقين لها بمقتضى علمه وحكمته وعدله ورحمته وحصرها في هؤلاء الأصناف الثمانية وبين أن صرفها فيهم فريضة لازمة ، وأن هذه القسمة صادرة من علم الله وحكمته ، فلا يجوز تعديها وصرف الزكاة في غيرها ، لأن الله تعالى أعلم بمصالح خلقه وأحكم في وضع الشيء في موضعه " وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50) " . فالصنف الأول والثاني الفقراء والمساكين وهم الذين لا يجدون كفايتهم وكفاية عائلتهم لا من نقود حاضرة ولا من رواتب ثابته ، ولا من صناعة قائمة ولا من غلة كافية ولا من نفقات على غيرهم واجبة ، فهم في حاجة إلى مواساة ومعونه . قال العلماء رحمهم الله : فيعطون من الزكاة ما يكفيهم وعائلتهم لمدة سنة كاملة حتى يأتي حول الزكاة مرة ثانية ويعطى الفقير لزواج يحتاج إليه ما يكفي لزواجه وطالب العلم الفقير لشراء كتب يحتاجها ويعطى من له راتب لا يكفيه وعائلته من الزكاة ما يكمل كفايتهم لأنه ذو حاجة ، وأما من كان له كفاية فلا يجوز إعطاؤه من الزكاة وإن سألها بل الواجب نصحه وتحذيره من سؤال ما لا يحل له فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم (( لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله عز وجل وليس في وجهه مزغة لحم )) رواه البخاري ومسلم . الصنف الثالث العاملون عليها وهم الذين ينصبهم ولاة الأمور لجباية الزكاة من أهلها وحفظها وتصريفها فيعطون منها بقدر عملهم وإن كانوا أغنياء وأما الوكلاء لفرد من الناس في توزيع زكاته فليسوا من العاملين عليها فلا يستحقون منها شيئاً من أجل وكالتهم فيها لكن إن تبرعوا في تفريقها على أهلها بأمانة واجتهاد كانوا شركاء في أجرها لما روى البخاري عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( الخازن المسلم الأمين الذي ينفذ – أو قال : يعطي – ما أمر كاملاً موقرا طيبا به نفسه فيدفعه إلى الذي أمر به ، أحد المتصدقين )) وإن لم يتبرعوا بتفريقها أعطاهم صاحب المال من ماله لا من الزكاة . الصنف الرابع المؤلفة قلوبهم وهم ضعفاء الإيمان أو من يخشى شرهم فيعطون من الزكاة ما يكون به تقوية إيمانهم أو دفع شرهم إذا لم يدفع إلا بإعطائهم . الصنف الخامس الرقاب وهم الأرقاء المكاتبون الذين اشتروا أنفسهم من أسيادهم فيعطون من الزكاة ما يوفون به أسيادهم ليحرروا بذلك أنفسهم ويجوز أن يشتري عبد فيعتق وأن يفك بها مسلم من الأسر . الصنف السادس الغارمون الذين يتحملون غرامة وهي نوعان : 1- من تحمل حمالة لإصلاح ذات البين وإطفاء الفتنة فيعطى من الزكاة بقدر حمالته تشجيعا له على هذا العمل النبيل الذي به تأليف المسلمين وإصلاح ذات بينهم وإطفاء الفتنة . 2- من تحمل حمالة في ذمته لنفسه وليس عنده وفاء فيعطى من الزكاة ما يوفى به دينه وأن كثر أو يوفى طالبه وإن لم يسلم للمطلوب . الصنف السابع في سبيل الله وهو الجهاد في سبيل الله : الذي يقصد به أن تكون كلمة الله هي العليا لا لحمية ولا لعصبه فيعطى المجاهد بهذه النية ما يكفيه لجهاده من الزكاة أو يشتري بها سلاح وعتاد للمجاهدين في سبيل الله لحماية الإسلام والذود عنه وإعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى . الصنف الثامن ابن السبيل وهو المسافر الذي انقطع به السفر ونفد ما في يده فيعطى من الزكاة ما يوصله إلى بلده وإن كان غنياً فيها ووجد من يقرضه لكن لا يجوز أن يستصحب معه نفقة قليلة لأجل أن يأخذ من الزكاة إذا نفدت لأنها حيلة على أخذ ما لا يستحق . · ولا تدفع الزكاة لكافر · ولا تدفع الزكاة في اسقاط واجب سواها فلا تدفع للضيف بدلا من ضيافته ولا لمن تجب نفقته من زوجة أو قريب بدلا من نفقتهما ولا يجوز دفعها للزوجة أو القريب فيما سوى النفقة الواجبة ، فيجوز أن يقضي بها دينا عن زوجته لا تستطيع وفاءه وأن يقضي بها عن والديه أو أحد من أقاربه ديناً لا يستطيع وفاءه · ويجوز أن يدفع الزكاة لأقاربه في سداد نفقتهم إذا لم تكون واجبة عليه لكون ماله لا يتحمل الإنفاق عليهم أو نحو ذلك · ويجوز دفع الزوجة زكاتها لزوجها في قضاء دين عليه ونحوه ، وذلك لأن الله سبحانه علق استحقاق الزكاة بأوصاف عامة تشمل من ذكرنا وغيرهم فمن اتصف بها كان مستحقاً وعلى هذا فلا يخرج أحد منها إلا بنص أو اجماع . ** فالزكاة لا تجزئ ولا تقبل حتى توضع في المحل الذي وضعها الله فيه ، فاجتهدوا رحمكم الله فيها ، واحرصوا على أن تقع موقعها وتحل محلها لتبرئوا ذممكم وتطهروا أموالكم وتنفذوا أمر ربكم .​

المجلس السادس عشر من كتاب مجالس شهر رمضان بعنوان " الزكاة

​قال الله تعالى " وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5)" وقال تعالى " وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)"والأيات في وجوب الزكاة كثيرة . وأما الأحاديث فمنها ما في صحيح مسلم عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( بني الإسلام على خمسة : على أن يوحد الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان والحج ، فقال رجل : ( الحج وصيام رمضان )؟ قال : لا ( صيام رمضان والحج ) وهكذا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي رواية : (( شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله .... الحديث بمعناه . *فالزكاة أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام ، وهي قرينة الصلاة في مواضع كثيرة من كتاب الله عز وجل وقد أجمع المسلمون على فرضيتها إجماعاً قطعياً فمن أنكر وجوبها مع علمه فهو كافر خارج عن الإسلام ومن بخل بها أو انتقص منها شيئاً فهو من الظالمين المعرضين للعقوبة والنكال . ** وتجب الزكاة في أربعة أشياء : الأول : الخارج من الأرض من الحبوب والثمار لقوله تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ " وقوله سبحانه " وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ " وأعظم حقوق المال الزكاة ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم (( فيما سقت السماء أو كان عثرياً العشر وفيما سقي بالنضح نصف العشر )) رواه البخاري ولا تجب الزكاة فيه حتى يبلغ نصابا وهو خمسة أوسق لقول النبي صلى الله عليه وسلم (( ليس في حب ولا ثمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق )) رواه مسلم ، والوسق هو ستون صاعاً بصاع النبي صلى الله عليه وسلم فيكون النصاب ثلاث مائة صاع بصاع النبي صلى الله عليه وسلم الذي تبلغ زاده بالبر الجيد ألفين وأربعين جراماً أي كيلوين وخمسي عشر الكيلو ، فتكون زنة النصاب بالبر الجيد ست مائة وأثني عشر كيلو ولا زكاة فيما دونها الثاني : بهيمة الأنعام وهي الإبل والغنم – ضأناً كانت أم معزاً - إذا كانت سائبة وأعدت للدر والنسل وبلغت نصابا وأقل النصاب من الإبل خمس وفي البقر ثلاثون وفي الغنم أربعون . والسائمة هي التي ترعى الكلأ النابت بدون بذر آدمي . الثالث : الذهب والفضة من أية حال كانت لقوله تعالى " وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) " والمراد بكنزها عدم إنفاقها في سبيل الله وأعظم الإنفاق في سبي الله إنفاقها في الزكاة وتجب الزكاة في الذهب والفضة سواء كانت نقوداً أو تبرا أو حيا -ولا تجب الزكاة في الذهب حتى يبلغ نصابا وهو عشرون دينار ، حتى يبلغ عشرون ديناراً لأن النبي صلى الله عليه نسلم قال في الذهب : (( ليس عليك شيء حتى يكون لك عشرون ديناراً )) والمراد بالدينار الإسلامي الذي يبلغ وزنه مثقالاً ووزنه المثقال هو أربعة غرامات وربع فيكون نصاب الذهب خمسة وثمانين غراما يعادل أحد عشر جنيها سعوديا وثلاثة أسباع جنيها -ولا تجب الزكاة في الفضة حتى تبلغ نصابا وهو خمس أواق لقول النبي صلى الله عليهم وسلم وهو خمس أواق الرابع : بما تجب في الزكاة : عروض التجارة وهي كل ما أعده للتكسب والتجارة من عقار وحيوان وطعام وشراب وسيارات وغيرها من أصناف المال فيقومها كل سنة بما تسوي عند رأسي الحول ويخرج ربع عشر قيمتها سواء كانت قيمتها بقدر ثمنها

المجلس الخامس عشر من كتاب مجالس شهر رمضان بعنوان شروط الفطر بالمفطرات وما لا يفطر وما يجوز للصائم

** إن المفطرات السابقة ما عدا الحيض والنفاس ، وهي الجماع والإنزال بالمباشرة والأكل والشرب وما بمعناها والحجامة والقي لا يفطر الصائم شيء منها إلا إذا تناولها عالماً ذاكراً مختاراً فهذه ثلاثة شروط : الشرط الأول أن يكون عالما فإن كان جاهلا لم يفطر لقوله تعالى " رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا " فقال الله عز وجل " وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ ولكن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (5)" وسواء كان جاهلا بالحكم الشرعي مثل أن يظن أن هذا الشيء غير مفطر فيفعله أو جاهلا بالحال أي الوقت ، مثل أن يظن أن الفجر لم يطلع فيأكل وهو طالع ، أو يظن أن الشمس قد غربت فيأكل وهي لم تغرب ، فلا يفطر في ذلك كله . الشرط الثاني أن يكون ذاكراً ، فإن كان ناسياً فصيامه صحيح ولا قضاء عليه لما سبق في آية البقرة ولما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال : (( من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه ))متفق عليه واللفظ لمسلم . فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإتمامه دليل على صحته ونسبه إطعام الناسي وسقيه إلى الله تعالى دليل على عدم المؤاخذة عليه لكن متى ذكر أو ذكر أمسك ولفظ ما فمه – إن كان فيه شيء – لزوال عذره حينئذ ويجب على من رأى صائماً يأكل أو يشرب أن ينبهه لقوله تعالى " وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ والتقوى ۖ" . الشرط الثالث أن يكون مختاراً أي متناولا للمفطر باختياره وإرادته فإن كان مكرها فصيامه صحيح ولا قضاء عليه لأن الله سبحانه وتعالى رفع الحكم عمن كفر مكرها وقلبه مطمئن بالإيمان ، فقال تعالى " من كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) " فإذا رفع الله حكم الكفر عمن أكره عليه فما دونه أولى ولقوله صلى الله عليه وسلم (( إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه )) رواه ابن ماجه والبيهقي وحسنه النووي . فلو أكره الرجل زوجته على الوطء وهي صائمة فصيامها صحيح ولا قضاء عليها ولا يحل له إكراهها على ذلك وهي صائمة إلا إن صامت تطوعاً بغير إذنه وهو حاضر . *ولا يفطر الصائم بالكحل والدواء في عينه ولو وجد طعمه في حلقه لأن ذلك ليس بأكل ولا شرب ولا بمعناها ، ولا يفطر بتقطير دواء في أذنه لأن ذلك ليس أكلا ولا شرباً ولا بمعنى الأكل والشرب . *ولا يفطر بذوق الطعام إذا لم يبلعه ولا بشم الطيب والبخور لكن لا يستنشق دخان البخور لأن له أجزاء تصعد فربما وصل إلى المعدة شيء منه *ولا يفطر بالمضمضة والاستنشاق لكن لا يبالغ في ذلك لأنه ربما تهرب شيء من الماء إلى جوفه . *ولا يفطر بالتسوك بل هو سنة له في النهار وآخره كالمفطرين ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم (( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة )) رواه الجماعة .وهذا عام في الصائمين وغيرهم في جميع الأوقات *ولا ينبغي للصائم تطهير أسنانه بالمعجون لأن له نفوذا قوياً ويخشى أن يتسرب مع ريقه إلى جوفه وفي السواك غنية عنه .

المجلس الرابع عشر من كتاب مجالس شهر رمضان بعنوان " مفطرات الصوم

المفطرات سبعة أنواع 1- الجماع 2- إنزال المني باختياره 3- الأكل أو الشرب وهو ايصال الطعام أو الشراب إلى الجوف عن طريق الفم أو الأنف أيا كان نوع المأكول أو المشروب . 4- ما كان بمعنى الأكل والشرب وهو شيئان - حقن الدم في الصائم مثل أن يصاب بنزيف فيحقن به دم فيفطر بذلك لأن الدم هو غاية الغذاء بالطعام والشراب وقد حصل ذلك بحقن الدم فيه . - الإبر المغذية التي يكتفي بها عن الأكل والشراب فإذا تناولها أفطر لأنها وإن لم تكن أكلا وشرباً حقيقة فإنها بمعناها فثبت لها حكمها . 5-إخراج الجم بالحجامة لقول النبي صلى الله عليه وسلم (( أفطر الحاجم والمحجوم )) رواه أحمد وأبو داود من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه قال الإمام البخاري رحمه الله ليس في الباب أصح منه . 6- التقيؤ عمدا ً وهو إخراج ما في المعدة من طعام أو شراب عن طريق الفم لقول النبي صلى الله عليه وسلم (( من ذرعه القيئ فليس عليه قضاء ومن استقاء عمداً فليقض )) رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الحاكم ومعنى ( ذرعه ) أي غلبه . 7- خروج دم الحيض والنفاس لقول النبي صلى الله عليه وسلم في المرأة (( أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم . *ويحرم على الصائم تناول هذه المفطرات إن كان صومه واجباً كصوم رمضان والكفارة والنذر إلا أن يكون له عذر يبيح الفطر كسفر ومرض ونحوهما لأن من تلبس بواجب لزمه إتمامه إلا بعذر صحيح .

المجلس الثالث عشر من كتاب مجالس شهر رمضان بعنوان " آداب قراءة القرآن

​** إن هذا القرآن الذي بين أيديكم تتلونه وتسمعونه وتحفظونه وتكتبونه هو كلام ربكم رب العالمين ، وإله الأولين والآخرين وهو حبله المتين وصراطه المستقيم وهو الذكر المبارك والنور المبين تكلم الله تعالى به حقيقة على الوصف الذي يليق بجلاله وعظمته ، وألقاه على جبريل الأمين أحد الملائكة الكرام المقربين فنزل به على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين ، وصفه الله تعالى بأوصاف عظيمة لتعظموه وتحترموه قال تعالى " شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ" وقال تعالى "يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا (174)" ، فهذه الأوصاف العظيمة الكثيرة التي نقلناها وغيرها مما لم ننقله تدل كلها على عظمة هذا القرآن ، ووجوب تعظيمه والتأدب عند تلاوته والبعد حال قراءته عن الهراء واللعب . * فمن آداب التلاوة : إخلاص النية لله تعالى فيها ، لأن تلاوة القرآن من العبادات الجليلة كما سبق بيان فضلها وقد قال سبحانه وتعالى " إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ (2)" وقال تعالى " وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ " وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( اقرؤوا القرآن وابتغوا به وجه الله عز وجل من قبل أن يأتي قوم يقيمونه إقامة القدح يتعجلونه ولا يتأجلونه )) رواه أحمد ومعنى (( يتعجلونه )) أي يطلبون به أجر الدنيا . * ومن آدابها : أن يقرآ بقلب حاضر يتدبر ما يقرأ ويتفهم معانيه ويخشع عند ذلك قلبه ويستحضر بأن الله تعالى يخاطبه في هذا القرآن لأن القرآن كلام الله عز وجل . * ومن آدابها : أن يقرأ على طهارة لأن هذا من تعظيم كلام الله عز وجل ولا يقرأ القران وهو جنب حتى يغتسل إن قدر على الماء أو يتيمم إن كان عاجزا عن استعمال الماء لمرض أو عدم . * ومن آدابها : أن لا يقرأ القرآن في الأماكن المستقذرة أو في مجمع لا ينصت فيه لقراءته لأن قراءته في مثل ذلك إهانة له ولا يجوز أن يقرأ القرآن في بيت الخلاء ونحوه. * ومن آدابها : أن يستعيذ بالله من الشيطان الرحيم عند إرادة القراءة لقوله تعالى "فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98)" . وأما البسملة فإن كان ابتداء قراءته من أثناء السورة فلا يبسمل وإن كان من أول السورة فليبسمل إلا في سورة التوبة فإنه ليس في أولها بسملة لأن الصحابة رضي الله عنهم أشكل عليهم حين كتابة المصحف هل هو سورة مستقلة أو بقية الأنفال ، ففصلوا بينهما بدون بسملة وهذا الاجتهاد هو المطابق للواقع بلا ريب ، إذ لو كانت البسملة قد نزلت في أولها لبقيت محفوظة بحفظ الله عز وجل لقوله تعالى " إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)" . *ومن آدابها : أن يحسن صوته بالقرآن ويترنم به لما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( ما أذن الله لشيء ( أي ما استمع لشيء ) كما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن تجهر به )). * ومن آدابها : أن يرتل القرآن ترتيلا لقوله تعالى " وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) " فيقرأه بتمهل بدون سرعة لأن ذلك أعون على تدبر معانيه وتقويم حروفه وألفاظه . هذه بعض الآداب لقراءة القرآن فتأدبوا بها واحرصوا عليها وابتغوا بها من فضل الله تعالى .

المجلس الثاني عشر من كتاب مجالس شهر رمضان بعنوان " النوع الثاني من تلاوة القرآن

​** سبق في المجلس الخامس أن تلاوة القرآن على نوعين : تلاوة لفظه وهي قراءته ، وتقدم الكلام بها النوع الثاني : تلاوة حكمه بتصديق أخباره واتباع أحكامه ، فعلا للمأمورات وترك للمنهيات . وهذا النوع هو الغاية الكبرى من إنزال القرآن كما قال تعالى "تَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29)" ولهذا درج السلف الصالح رضي الله عنهم على ذلك يتعلمون القرآن ويصدقون به ويطبقون أحكامه تطبيقا إيجابياً من عقيدة راسخة ويقين صادق . هذا النوع الثاني من التلاوة هو الذي عليه مدار السعادة والشقاوة قال تعالى " فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ (126) وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ ۚ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ (127) أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي النُّهَىٰ (128) وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُّسَمًّى (129) فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ۖ وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ (130) وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ (131)" فبين الله تعالى في هذه الآيات الكريمة ثواب المتبعين لهداه الذي أوحاه إلى رسله ، وأعظمه هذا القرآن العظيم وبين عقاب المعرضين عنه ، أما ثواب المتبعين له فلا يضلون ولا يشقون ونفى الضلال والشقاء عنهم يتضمن كمال الهداية والسعادة في الدنيا والآخرة وأما عقاب المعرضين عنه المتكبرين عن العمل به فهو الشقاء والضلال في الدنيا والآخرة ، فإن له معيشة ضنكا فهو في دنياه هم وقلق نفس ليس له عقيدة صحيحة ولا عمل صالح .

المجلس الحادى عشر من كتاب مجالس شهر رمضان بعنوان " آداب الصيام المستحبة

​** القسم الثاني من آداب الصوم وهي الآداب المستحبة فمنها - السحور – وهو الأكل في آخر الليل – سمي بذلك لأنه يقع في السحر فقد أمر الني صلى الله عليه وسلم فقال : (( تسحروا فإن في السحور بركة )) متفق عليه ، وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر )) وأثنى النبي صلى الله عليه وسلم على سحور التمر ، فقال : (( نعم سحور المؤمن التمر )) رواه أبوداود ، وقال صلى الله عليه وسلم (( السحور كله بركة فلا تدعوه ، ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء ، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين )) رواه أحمد وقال المنذري : اسناده قوي . وينبغي للمتسحر أن ينوي بسحوره امتثال أمر النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء بفعله ليكون سحوره عبادة ، وأن ينوي به التقوي على الصيام ليكون له به أجر . والسنة تأخير السحور مال يخش طلوع الفجر لأنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم فعن قتادة رحمه الله عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم وزيد بن ثابت تسحرا فلما فرغا من سحورهما قام نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة فصلى ، قلنا لأنس : كم كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة ؟ قال قدر ما يقرآ الرجل خمسين آية . رواه البخاري . - ومن آداب الصيام المستحبة : تعجيل الفطر إذا تحقق غروب الشمس بمشاهدتها أو غلب على ظنه الغروب بخبر موثوق به – بأذان أو غيره – فعن سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر )) متفق عليه وقال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل : (( إن أحب عبادي إلي أعجلهم فطرا )) رواه أحمد والترمذي والسنة أن يفطر على رطب فإن عدم فتمر ، فإن عدم فماء لقول أنس رضي الله عنه : (( كان النبي صلى الله عليه وسلم يفطر قبل أن يصلي على رطبات ، فإن لم تكن رطبات فتمرات فإن لم تكن تمرات حسا حسوات من ماء )) رواه أحمد وأبوداود والترمذي . - ومن آداب الصيام المستحبة : كثرة القراءة والذكر والدعاء والصلاة والصدقة وفي صحيح ابن خزيمة وابن حبان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( ثلاثة لا ترد دعوتهم : الصائم حتى يفطر ، والإمام العادل ، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام وتفتح لها أبواب السماء ويقول الرب : وعزتي وجلالي ! لأنصرنك ولو بعد حين )) رواه أحمد والترمذي . - ومن آداب الصيام المستحبة : أن يستحضر الصائم قدر نعمة الله عليه بالصيام حيث وفقه له ويسره عليه حتى أتم يومه واكتمل شهره فإن كثير من الناس حرموا الصيام إما بموتهم قبل بلوغه أو بعجزهم عنه أو بضلالهم وإعراضهم عن القيام به ، فليحمد الصائم ربه على نعمة الصيام التي هي سبب لمغفرة الذنوب وتكفير السيئات ورفعة الدرجات في دار النعيم بجواب الرب الكريم .
12